من المتوقع أن تستمر محادثات أمريكا وإيران في الدوحة يوم الأربعاء من خلال نقاشات تقنية غير مباشرة على مستوى أدنى، بينما يحاول الوسطاء البناء على وقف إطلاق نار هش ودفع الطرفين نحو اتفاق دائم لإنهاء حرب الشرق الأوسط.
وتأتي هذه المحادثات بعد جهود إقليمية سابقة قالت فيها قطر إن المفاوضات بين أمريكا وإيران قد تُستأنف، ما يبرز استمرار دور الدوحة كوسيط دبلوماسي في واحد من أكثر ملفات المنطقة حساسية.
وقال دبلوماسي مطلع على المحادثات إن المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين لن يلتقوا بشكل مباشر. وبدلاً من ذلك، من المتوقع أن تجري الفرق التقنية نقاشات غير مباشرة مع وسطاء من قطر وباكستان حول مذكرة التفاهم والتفاصيل العالقة في إطار وقف إطلاق النار.
وتأتي المحادثات بعد أسبوعين من توقيع واشنطن وطهران هدنة مؤقتة، لكن عدة قضايا رئيسية لا تزال من دون حل. وتشمل هذه القضايا إعادة فتح وإدارة مضيق هرمز، والإفراج عن الأصول الإيرانية المقيدة، والمسار نحو اتفاق سلام طويل الأمد.
المبعوثون الأمريكيون لن يشاركوا في المحادثات التقنية
وصل المبعوثان الأمريكيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف إلى الدوحة يوم الثلاثاء لإجراء محادثات رفيعة المستوى مع مسؤولين قطريين، من بينهم رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. لكن دبلوماسياً قال إن كوشنر وويتكوف لن يشاركا في المحادثات التقنية المقررة يوم الأربعاء مع الوسطاء. ويبدو أن زيارتهما تركز على التشاور مع قطر، وليس على التفاوض المباشر مع المسؤولين الإيرانيين.
كما رفضت إيران فكرة عقد لقاءات مباشرة مع كبار المبعوثين الأمريكيين في هذه المرحلة. وقال مسؤولون إيرانيون إن شروط وقف إطلاق النار يجب أن تتضح أولاً قبل أن ينتقل الطرفان إلى ملفات أكثر صعوبة، بما في ذلك أي قيود مستقبلية محتملة مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني.
إيران تقول إن المحادثات ستكون مع الوسطاء
أكدت إيران أن وفداً سيتوجه إلى الدوحة، لكنها نفت أن تكون هناك محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الوفد الإيراني سيرأسه نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، وإنه سيعقد أول اجتماع مع الوسطاء يوم الأربعاء.
وبحسب مسؤولين إيرانيين، فإن أحد الملفات المطروحة على الطاولة يتعلق بالإفراج عن الأصول الإيرانية المقيدة. ويبدو أن هذا الملف المالي جزء من إطار وقف إطلاق النار الأوسع، وقد يتحول إلى نقطة رئيسية في المفاوضات. ويُظهر الاعتماد على المحادثات غير المباشرة مدى حساسية العملية. فكل من الطرفين يبدو مستعداً لإبقاء الدبلوماسية قائمة، لكن الفجوة بينهما لا تزال كبيرة.
مضيق هرمز يبقى نقطة توتر رئيسية
إحدى أهم القضايا في المحادثات هي مستقبل مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي كان يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً قبل اندلاع الحرب. وقد أثارت هذه القضية بالفعل مخاوف إقليمية، وسط تحذيرات من أن أي اضطراب في مضيق هرمز قد يؤثر في تدفقات الغذاء والطاقة والشحن عالمياً. ورغم أن حركة الملاحة استؤنفت جزئياً عبر المضيق، فإن الوضع لا يزال هشاً.
وقال مسؤولون إيرانيون إن من حق إيران إدارة حركة المرور البحرية بالتعاون مع عُمان، التي تقع على الجانب الآخر من الممر المائي الاستراتيجي. وقال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف في التلفزيون الرسمي إن السيادة على مضيق هرمز تعود إلى إيران وعُمان، وإن حركة المرور في المضيق تخضع لترتيبات تحددها إيران. في المقابل، رفض مسؤولون أمريكيون بشدة أي خطة تسمح لإيران بتحصيل رسوم من السفن المارة عبر هذا الممر الدولي. وقال نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن واشنطن لن تقبل بنتيجة تسمح لإيران بجمع رسوم من السفن التي تعبر مضيق هرمز.
مخاوف أمن الخليج تدخل النقاش
دعا البرلمان العربي إلى أن يأخذ أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في الاعتبار المخاوف الأمنية للدول العربية، خصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي. وقال رئيس البرلمان العربي محمد بن أحمد اليماحي إن مخاوف أمن الخليج يجب أن تُدرج ضمن أي ترتيبات مرتبطة بالاستقرار الإقليمي. وتعكس تصريحاته قلقاً أوسع في المنطقة بشأن مستقبل الأمن البحري، وتدفقات الطاقة، وتوازن القوى بعد الحرب.
بالنسبة لدول الخليج، لا تتعلق المحادثات بإيران والولايات المتحدة فقط. فنتائجها تهم أيضاً العلاقات بين الإمارات وإيران، خصوصاً مع تقييم دول الخليج لمخاطر الأمن البحري والطاقة والاستقرار الإقليمي بعد الحرب. كما ترتبط المحادثات بممرات الشحن، وأسواق النفط، وبنية الأمن الإقليمي، واحتمال عودة التصعيد.
إيران تستعد لجنازة المرشد الأعلى الراحل
تتزامن المحادثات مع استعداد إيران للجنازة العامة للمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، الذي قُتل في ضربات أمريكية إسرائيلية في 28 فبراير، في اليوم الأول من الحرب. وفي طهران، عُلقت لافتات وصور كبيرة للحداد قبل مراسم الجنازة. ومن المتوقع أن يُسجى جثمانه في المصلى الكبير وسط طهران، وهو موقع رئيسي لصلاة الجمعة والمراسم الرسمية والتجمعات الدينية.
وكانت الجنازة قد تأجلت في البداية خلال ذروة الحرب. ومن المتوقع الآن أن تُقام بينما تلتزم إيران والولايات المتحدة بوقف إطلاق نار هش وتحاولان التحرك نحو تسوية أوسع. ويضيف التوقيت ثقلاً عاطفياً وسياسياً إلى المفاوضات، خصوصاً داخل إيران، حيث لا يزال الصراع وانتقال القيادة يشكلان جزءاً أساسياً من الرسائل العامة.
التلفزيون الرسمي يقطع مقابلة مع المفاوض الإيراني
تعرض التلفزيون الرسمي الإيراني أيضاً لانتقادات بعدما قطع بث مقابلة مع قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين في المحادثات مع الولايات المتحدة. وقال بيان صادر عن المركز الإعلامي للبرلمان إن النقاش سُلّم إلى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية قبل موعد البث بأكثر من ساعتين، لكن البث توقف في منتصفه.
وانتقد البيان القرار، قائلاً إنه كان على المسؤولين التنسيق مع المركز الإعلامي للبرلمان إذا كانوا ينوون عدم بث جزء من النقاش المسجل. ويشير الحادث إلى أن توترات داخلية حول الرسائل الإعلامية واستراتيجية التفاوض قد لا تزال حاضرة مع دخول إيران مرحلة دبلوماسية حساسة.
بحارة هنود يخشون العودة إلى الخليج
تؤثر تداعيات الحرب أيضاً في العاملين في الشحن التجاري. فقد بدأ بحارة هنود كانوا عالقين في مضيق هرمز لأشهر بمغادرة الممر المائي، لكن بعضهم لا يزال يخشى العودة إلى الخليج. وتُعد الهند من أكبر الدول المساهمة في أطقم الشحن التجاري عالمياً، إذ ترسل مئات الآلاف من البحارة للعمل في مختلف أنحاء العالم.
وغادر آلاف البحارة الهنود الخليج منذ بداية الحرب، بينهم أكثر من 3600 ساعدتهم وزارة الشحن الهندية. وخلال الصراع، أصبحت السفن التجارية أهدافاً، وشاهد بعض البحارة الهنود سفنهم تتعرض للهجوم وزملاءهم يُقتلون أو يُصابون. وحتى مع وجود هدنة مؤقتة، لا يزال كثيرون قلقين بسبب استمرار أعمال عنف متفرقة وبقاء مضيق هرمز نقطة توتر رئيسية.
سفينة كورية جنوبية قد تغادر هرمز في يوليو
قالت وزارة المحيطات الكورية الجنوبية إن سفينة الشحن نامو، التي تشغلها شركة إتش إم إم، من المتوقع أن تغادر مضيق هرمز في منتصف يوليو على أقرب تقدير بعد اكتمال الإصلاحات. وكانت السفينة قد تضررت في هجوم وقع في مايو، وقالت سول إن الحادث ربما شمل صاروخاً إيرانياً مضاداً للسفن. واستدعت كوريا الجنوبية السفير الإيراني آنذاك لعرض نتائج تحقيقها وتقديم احتجاج.
وقال مسؤولون إن سفينتين لا تزالان عالقتين في مضيق هرمز، من بينهما نامو، وعلى متنهما 35 فرداً من الطاقم. ومع ذلك، عبرت 21 سفينة تشغلها كوريا الجنوبية المضيق بأمان منذ توقيع وقف إطلاق النار قبل أسبوعين.
أسعار النفط ترتفع وسط حالة عدم اليقين
ارتفعت أسعار النفط يوم الأربعاء مع تزايد المخاوف من أن الصعوبات في التوصل إلى اتفاق نهائي بين أمريكا وإيران قد تمدد اضطرابات الإمداد في الشرق الأوسط. وصعدت عقود خام برنت إلى 73.28 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى 69.84 دولاراً للبرميل في التعاملات المبكرة.
وتعكس هذه الحركة قلق المستثمرين بشأن أمن طرق الطاقة، خصوصاً أن مضيق هرمز لا يزال محورياً في المفاوضات. ورغم أن أسعار النفط كانت قد تراجعت بشكل حاد في الربع السابق، فإن خطر عودة عدم الاستقرار لا يزال يؤثر في الأسواق. وأي انهيار في المحادثات قد يثير مخاوف جديدة من اضطراب الشحن وإمدادات الطاقة.
ترامب درس توجيه ضربات إضافية بحسب تقارير
أفادت تقارير بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب درس العودة إلى نهج عسكري أكثر حدة إذا فشلت الدبلوماسية.دوبحسب تقرير نقل عن مصادر أمريكية، أجرى ترامب محادثات مع وزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين بشأن احتمال تنفيذ ضربات إضافية. لكن التقرير قال إن ترامب قرر في الوقت الحالي منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت.
ويضيف احتمال العودة إلى الضربات العسكرية ضغطاً على مسار الدوحة. فرغم أن الطرفين منخرطان في محادثات غير مباشرة، يبقى خطر التصعيد العسكري مجدداً حاضراً في الخلفية.
ماذا تعني محادثات الدوحة للمنطقة؟
قد تتحول محادثات أمريكا وإيران في الدوحة إلى نقطة تحول إذا نجح الوسطاء في توضيح شروط وقف إطلاق النار وتقليل التوتر حول مضيق هرمز. بالنسبة لواشنطن، توفر المحادثات فرصة لتأمين الوصول البحري، ومنع إيران من فرض رسوم على السفن، والتحرك نحو إطار سلام أكثر استدامة. أما بالنسبة لطهران، فقد توفر المحادثات مساراً نحو تخفيف مالي، واعتراف بدورها حول هرمز، وعملية منظمة لمفاوضات مستقبلية.
وبالنسبة لدول الخليج والهند وكوريا الجنوبية وأسواق الطاقة العالمية، يمكن أن تؤثر النتائج مباشرة في أمن الشحن والاستقرار الاقتصادي. لكن العملية لا تزال غير مؤكدة. فقد رفضت إيران المحادثات المباشرة مع كبار المبعوثين الأمريكيين، ولا تزال شروط وقف إطلاق النار محل خلاف، ولا يزال الطرفان متباعدين بشأن عدة قضايا أساسية.
خلاصة
تأتي الجولة الأخيرة من محادثات أمريكا وإيران في الدوحة في لحظة حاسمة بالنسبة للشرق الأوسط. فبعد أسبوعين من الهدنة المؤقتة، لا يزال المفاوضون يحاولون تحديد شروط وقف إطلاق النار، وإعادة فتح وإدارة مضيق هرمز، ومعالجة ملف الأصول الإيرانية المقيدة، ووضع مسار نحو اتفاق سلام دائم.
ومع قيام قطر وباكستان بدور الوسيط، قد تساعد المحادثات في منع العودة إلى صراع شامل. لكن العملية الدبلوماسية لا تزال هشة، وقد تؤدي الخلافات العالقة حول هرمز والأمن الإقليمي والمفاوضات المستقبلية إلى عرقلة التقدم. في الوقت الحالي، تبقى الدوحة مركز الجهود الحساسة لتحويل وقف إطلاق نار مؤقت إلى تسوية سياسية دائمة.

