غالباً ما يُناقش العمل من زاوية الدخل والإنتاجية والكفاءة، لكن الفيلسوف Michal Masny يطرح سؤالاً أعمق: ما الذي يجعل العمل ذا قيمة في حياة الإنسان؟ بصفته زميل ما بعد الدكتوراه في أخلاقيات التقنية داخل قسم الفلسفة في MIT، يدرس Masny الدور الذي يلعبه العمل في حياتنا، وكيف يمكن للتقنيات الحاسوبية الجديدة والذكاء الاصطناعي أن يعيدا تشكيل الرفاهية الإنسانية، والهوية الاجتماعية، والإحساس بالغاية.
بالنسبة إلى Masny، لا تقتصر قيمة العمل على الراتب فقط. فالعمل يمكن أن يكون مساحة يطور فيها الإنسان مهارة معينة، ويساهم في المجتمع، ويحصل على تقدير اجتماعي، ويبني علاقات ومجتمعات مهنية وإنسانية. لذلك يتعامل بحذر مع التصورات المستقبلية التي تقلل العمل بشكل كبير أو تلغيه بالكامل. فمع أن تقليل ساعات العمل أو زيادة الأتمتة قد يقدمان فوائد حقيقية، إلا أن إزالة العمل تماماً من حياة الناس قد لا تكون بالضرورة أمراً إيجابياً للجميع.
لماذا لا يزال العمل مهماً؟
يتحدى بحث Masny الفكرة التي ترى أن وقت الفراغ وحده هو الهدف النهائي للتقدم الإنساني. فهو يرى أن العمل يمكن أن يكون ضرورياً وذا قيمة إيجابية في الوقت نفسه، لأنه يمنح الحياة نوعاً من التنظيم، ويفتح المجال أمام الإنجاز، والمسؤولية، والشعور بالمشاركة. وقد يكون المجتمع الذي يعمل فيه الناس لساعات أقل أفضل في جوانب معينة، لكن المجتمع الذي يخلو تماماً من العمل الهادف قد يفقد شيئاً مهماً من معنى الحياة اليومية.
أصبح هذا السؤال أكثر إلحاحاً مع توسع الذكاء الاصطناعي والأتمتة في تغيير طبيعة الوظائف. فإذا أصبحت الآلات قادرة على أداء مزيد من المهام التي كان يقوم بها البشر، فلن يكون السؤال فقط هو كيفية توزيع الدخل، بل أيضاً كيف يمكن الحفاظ على المعنى، والمساهمة، والتقدير، والعلاقات التي يمنحها العمل لكثير من الناس.
تدريس الأخلاقيات إلى جانب التقنية
خلال زمالته في MIT، عمل Masny على ربط الفلسفة بتعليم الحوسبة والتقنية. فهو يدرّس مادة أخلاقيات التقنية، وساعد الطلاب أيضاً على فحص الآثار الاجتماعية والأخلاقية لمشاريعهم التقنية. هدفه هو تدريب جيل من العلماء والمهندسين لا يفكر فقط في ما يمكن بناؤه، بل في ما قد ينتج عن هذا البناء من آثار على الناس والمجتمع.
يرى Masny أن التقسيم القديم للأدوار لم يعد كافياً. في الماضي، كان العلماء والمهندسون يبتكرون التقنيات الجديدة، ثم يأتي دور الفلاسفة والقانونيين وصناع السياسات لتقييمها وتنظيمها لاحقاً. لكن سرعة تطوير التقنيات الحديثة ونشرها جعلت هذا النموذج غير عملي. لذلك يجب أن يبدأ التفكير الأخلاقي مبكراً، داخل مرحلة التصميم نفسها، لا بعد ظهور الأضرار.
سد فجوة الحكمة
ترتبط فلسفة Masny التعليمية بقلق أوسع من أن يصبح المجتمع قوياً تقنياً من دون أن يمتلك الحكمة الكافية لاستخدام هذه القوة بشكل مسؤول. وهو يرى أن طلاب العلوم والهندسة يجب أن يتعلموا طرح الأسئلة الفلسفية والقانونية، كما أن طلاب العلوم الإنسانية يجب أن يفهموا التقنية بما يكفي لمناقشة آثارها الواقعية.
هذا التوجه يعكس هدف زمالة NC Ethics of Technology، التي أُنشئت عام 2021 بدعم من NC Cultural Foundation. وتهدف الزمالة إلى تعزيز البحث والنقاش العام حول أخلاقيات التقنية والذكاء الاصطناعي، وجعل هذه الأسئلة المهمة متاحة لمجتمع أوسع داخل MIT وخارجها.
في الفلسفة، يجب أن تشكك في كل شيء
وصل Masny إلى MIT في خريف 2024 بعد عمله باحثاً بعد الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. وهو من أصل بولندي، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة برينستون بعد أن درس في جامعة أكسفورد وجامعة وارويك في المملكة المتحدة. يركز عمله بشكل أساسي على نظرية القيمة، وأخلاقيات التقنية، والفلسفة الاجتماعية والسياسية.
تشمل اهتماماته البحثية رفاهية الإنسان والحيوان، والتزاماتنا تجاه الأجيال القادمة، ومخاطر انقراض البشرية، ومستقبل العمل، وتقنيات مكافحة الشيخوخة. ورغم أن هذه الموضوعات تبدو واسعة، فإنها ترتبط بسؤال واحد: كيف يمكن للناس أن يعيشوا حياة جيدة في عالم يتغير بسرعة بفعل العلم والتقنية؟
التزييف العميق وأخلاقيات البحث الطلابي
في MIT، عمل Masny أيضاً مع الطلاب على قضايا أخلاقية مرتبطة بالتزييف العميق. وضمن برنامج المسؤوليات الاجتماعية والأخلاقية للحوسبة، قاد مجموعة بحثية درست الأبعاد الأخلاقية والسياسية والمعرفية للوسائط الاصطناعية المضللة، وكيف يمكن الحد من آثارها السلبية.
بحث الطلاب في كيفية تأثير التزييف العميق على الثقة العامة، والسياسة، وطريقة تمييز الناس بين الحقيقة والخداع عبر الإنترنت. وقدموا نتائجهم لاحقاً في جلسة ملصقات بحثية خلال ندوة أخلاقيات الحوسبة في MIT، ضمن نقاش أوسع حول المسؤوليات التي ترافق أدوات الحوسبة الجديدة.
فصل فلسفة أكثر تفاعلاً
يريد Masny أيضاً إعادة التفكير في طريقة تدريس الفلسفة. فهو يرى أن دروس الفلسفة الجامعية يجب ألا تكون مجرد محاضرات يستمع فيها الطلاب بشكل سلبي، بل يجب أن تبدو كحدث حقيقي داخل جدول الطالب، يقوم على الحوار، والنقاش، وتبادل الأفكار. وبدلاً من أن تكون المحاضرة شبيهة بكتاب صوتي، يفضل أن تكون أقرب إلى نقاش حي أو مقابلة فكرية.
بالنسبة إليه، لا تقتصر فائدة الفلسفة على الدراسة الأكاديمية، لأنها تدرب الناس على طرح أسئلة أفضل. والأسئلة الأفضل يمكن أن تقود إلى إجابات أوضح، وتفكير أدق، وقدرة أقوى على اكتشاف المشكلات المخفية. وهذه المهارة مهمة جداً في التقنية، لأن طريقة صياغة السؤال قد تحدد شكل النظام التقني وآثاره على المجتمع.
الخلاصة
سيبدأ Masny التدريس في جامعة كولورادو بولدر في خريف 2026، حيث يخطط لمواصلة بحثه حول قيمة العمل والتحديات الأخلاقية للتقنيات الناشئة. وقد وضعته تجربته في MIT عند نقطة التقاء بين الفلسفة، والحوسبة، والمسؤولية العامة، وساعدته على العمل مع طلاب وباحثين يفكرون بعمق في الأثر الإنساني للابتكار.
ومع ازدياد قوة الذكاء الاصطناعي، ستصبح الأسئلة المتعلقة بالعمل، والمعنى، والمسؤولية أكثر أهمية. يشير عمل Masny إلى أن مستقبل التقنية لا ينبغي أن يُقاس فقط بما تستطيع الآلات فعله، بل أيضاً بكيفية تأثير هذه الآلات في حياة البشر، ومجتمعاتهم، وقيمهم.