لطالما غيّرت التكنولوجيا سوق العمل في اتجاهين متوازيين. فهي قد تقلل الحاجة إلى وظائف تقليدية، لكنها في الوقت نفسه تخلق مهنًا جديدة تقوم على مهارات لم تكن موجودة من قبل. ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل خلال 2026، أصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل سيخلق الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة ذات قيمة؟ ومن سيكون الأكثر قدرة على الحصول عليها؟
تبحث دراسة جديدة قادها خبير اقتصاد العمل ديفيد أوتور في بيانات التوظيف الأمريكية عبر عقود طويلة، بهدف فهم الطريقة التي ظهرت بها الوظائف الجديدة المرتبطة بالتكنولوجيا في الماضي. وتشير النتائج إلى أن الأعمال المستحدثة استفاد منها تاريخيًا الشباب الأعلى تعليمًا في المناطق الحضرية أكثر من غيرهم.
كما تقدم الدراسة درسًا مهمًا لعصر الذكاء الاصطناعي: الوظائف الجديدة لا تظهر لمجرد وجود تقنية جديدة، بل تتشكل غالبًا بفعل الاستثمار، والطلب، والقرارات الحكومية والاقتصادية.
التكنولوجيا الجديدة لا تفيد جميع العاملين بالطريقة نفسها
تركز الدراسة على ما يصفه الباحثون بـ«العمل الجديد»، أي الوظائف والتخصصات التي تظهر مع تطور التكنولوجيا وتغير الصناعات واحتياجات السوق. وكانت دراسة سابقة للفريق نفسه قد وجدت أن نحو ست وظائف من كل عشر وظائف في الولايات المتحدة بين عامي 1940 و2018 كانت في مجالات تطورت وانتشرت بعد عام 1940.
أما الدراسة الجديدة، فتذهب إلى خطوة أبعد من ذلك، وتسأل: من هم الأشخاص الذين حصلوا فعليًا على هذه الوظائف الجديدة؟
اعتمد الباحثون على بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي بين عامي 1940 و1950، إلى جانب بيانات المسح المجتمعي الأمريكي للفترة من 2011 إلى 2023. وقارنوا بين العاملين في تخصصات مهنية مستحدثة وبين من يعملون في وظائف قائمة منذ فترات أطول.
وأظهرت النتائج نمطًا واضحًا. فقد تركزت الوظائف الجديدة بصورة أكبر في المدن، وكان الأشخاص دون سن الثلاثين الأكثر احتمالًا لشغلها، كما كانت فرص خريجي الجامعات أعلى من غيرهم في الوصول إلى هذه المجالات.
في عام 1950، كان نحو 7 في المئة من الموظفين يعملون في أنواع من الوظائف ظهرت منذ عام 1930. أما خلال الفترة من 2011 إلى 2023، فعمل نحو 18 في المئة من الموظفين في وظائف ظهرت منذ عام 1970.
كما وجدت الدراسة أن الدخول المبكر إلى المجالات الجديدة يمكن أن يترك أثرًا مستمرًا على المسار المهني. فالأشخاص الذين كانوا يعملون في مهن مستحدثة عام 1940 أصبحوا أكثر احتمالًا بمقدار مرتين ونصف للعمل في مجالات جديدة عام 1950 مقارنة ببقية العاملين. وكان خريجو الجامعات أكثر احتمالًا بمقدار 2.9 نقطة مئوية من خريجي الثانوية للعمل في وظائف مستحدثة.
لماذا تدفع الوظائف الجديدة أجورًا أعلى في بدايتها؟
أحد أسباب ارتفاع أجور الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا الجديدة هو اعتمادها على معرفة لا يزال امتلاكها نادرًا.
فعندما تظهر تقنية جديدة، يكون عدد الأشخاص القادرين على استخدامها أو تطويرها أو إدارتها أو تطبيقها على مشكلة تجارية محدودًا. هذا النقص في المهارات يجعل العاملين المتخصصين أكثر قيمة، وقد يؤدي إلى حصولهم على رواتب أعلى.
لكن هذه الأفضلية لا تستمر بالضرورة إلى الأبد.
عندما تصبح المهارة أكثر انتشارًا، تتمكن الشركات من العثور على عدد أكبر من الأشخاص القادرين على القيام بالمهمة نفسها. ويصبح التدريب أسهل، وتصبح الأدوات أبسط، وقد تتم أتمتة أجزاء من الوظيفة بمرور الوقت. عندها يبدأ التفوق المالي المرتبط بالخبرة النادرة في التراجع.
يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك. فقد كانت قيادة السيارة في وقت ما مهارة متخصصة. كما كان استخدام برامج معالجة النصوص يُعتبر مهارة مكتبية مهمة في بدايات عصر الحاسوب. أما اليوم، فأصبحت هذه القدرات شائعة ولا تمنح صاحبها ميزة مهنية كبيرة كما كان الحال سابقًا.
هذا النمط يطرح سؤالًا مهمًا بشأن الذكاء الاصطناعي. فمهارات مثل كتابة التعليمات للأدوات الذكية، أو استخدام أدوات توليد المحتوى، أو أتمتة المهام المكتبية البسيطة قد تكون مفيدة اليوم، لكنها قد تتحول سريعًا إلى متطلبات أساسية في معظم الوظائف، وليس إلى تخصصات نادرة بحد ذاتها.
الاستثمار يساعد على خلق أنواع جديدة من الوظائف
من أهم نتائج الدراسة أن الوظائف المرتبطة بالتكنولوجيا لا تنشأ بسبب الاختراع وحده. فالطلب واسع النطاق يمكن أن يؤدي دورًا حاسمًا في ظهور وظائف جديدة.
حللت الدراسة أنماط التوظيف خلال أربعينيات القرن الماضي، عندما دعمت الحكومة الأمريكية توسعًا كبيرًا في البحث والتصنيع والإنتاج الصناعي خلال الحرب العالمية الثانية. وأظهرت النتائج أن المقاطعات التي حصلت على مصانع واستثمارات صناعية جديدة شهدت ارتفاعًا أكبر في الوظائف المستحدثة.
وبحسب الدراسة، كان ما بين 85 و90 في المئة من العمل الجديد الذي ظهر بين عامي 1940 و1950 مدفوعًا بالتكنولوجيا. لكن هذه التكنولوجيا كانت مرتبطة بصورة مباشرة باستثمارات عامة وخاصة واسعة، خلقت طلبًا على المهندسين، والفنيين، والمتخصصين، وأنواع جديدة من الخبرات.
هذا الدرس التاريخي مهم عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي. فقد يبدأ الابتكار داخل المختبرات وشركات التقنية، لكن الوظائف الجيدة تصبح أكثر احتمالًا عندما تستثمر الحكومات والقطاعات الاقتصادية في استخدام التكنولوجيا لمعالجة احتياجات حقيقية.
يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة مهام موجودة وتقليل عدد العاملين من دون خلق فرص كثيرة جديدة. وفي المقابل، يمكن توجيهه نحو توسيع قطاعات معينة، ورفع الإنتاجية، وخلق مجالات جديدة للعمل المتخصص.
الفرق بين المسارين قد يتوقف على وجهة الاستثمار.
ماذا تعني الدراسة لوظائف الذكاء الاصطناعي؟
أدى انتشار الذكاء الاصطناعي إلى مخاوف من أن تستخدمه الشركات بصورة أساسية لخفض تكاليف التوظيف. فالأدوات القادرة على الكتابة، وتحليل البيانات، وخدمة العملاء، ودعم الأعمال الإدارية قد تؤثر على المهام التي يؤديها ملايين الموظفين حاليًا.
لكن استبدال بعض المهام لا يعني دائمًا اختفاء الوظائف بالكامل. فكثير من المهن يتضمن مجموعة من المسؤوليات، واتخاذ القرارات، والتواصل، والمعرفة المتخصصة. قد يزيل الذكاء الاصطناعي بعض المهام، لكنه قد يزيد الطلب على مهام أخرى.
السؤال الأصعب هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيولد عددًا كافيًا من الوظائف الجديدة عالية الجودة لتعويض الاضطراب الذي قد يصيب وظائف قائمة.
لا تستطيع الدراسة التنبؤ بدقة بالوظائف التي سيخلقها الذكاء الاصطناعي أو الأشخاص الذين سيحصلون عليها. لكن التاريخ يشير إلى أن الفرص الجديدة قد تفيد في بدايتها الشباب المتعلمين الذين يمتلكون المهارات التقنية، والشبكات المهنية القوية، وإمكانية الوصول إلى أسواق العمل في المدن الكبرى.
ويخلق هذا تحديًا أمام صناع القرار والشركات. فإذا اتبع خلق الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الأنماط نفسها التي ظهرت مع موجات التكنولوجيا السابقة، فقد يجد العاملون الأكبر سنًا، أو من لا يحملون شهادات جامعية، أو المقيمون خارج المدن الكبرى، صعوبة أكبر في الاستفادة، ما لم يتم تصميم برامج التدريب والاستثمار بصورة أكثر شمولًا.
الرعاية الصحية قد تكشف عن مسارين مختلفين للذكاء الاصطناعي
يقدم قطاع الرعاية الصحية مثالًا واضحًا على الطرق المختلفة التي يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي من خلالها.
قد يتمثل المسار الأول في استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية لتقليل عدد العاملين المطلوبين لأداء مهام قائمة. أما المسار الآخر، فيقوم على استخدام التقنية لمساعدة الأطباء، والفنيين، وموظفي الدعم على أداء مسؤوليات أكثر تقدمًا، وتحسين الوصول إلى الرعاية، ورفع الإنتاجية.
المسار الثاني قد يخلق أنواعًا جديدة من الوظائف، ويسمح للعاملين ذوي المستويات المختلفة من الخبرة بالمساهمة بصورة أكثر فاعلية. لكن الوصول إلى هذه النتيجة ليس مضمونًا. فهو يعتمد على طريقة استثمار المستشفيات والشركات والحكومات في التقنية.
وبما أن الإنفاق العام يمثل جزءًا كبيرًا من تمويل الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، يمكن للقرارات الحكومية أن تؤثر في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أداة لخفض التكاليف فقط، أم منصة لتوسيع فرص العمل المتخصص.
هل سيكرر الذكاء الاصطناعي نمط خلق الوظائف الذي صنعته التكنولوجيا سابقًا؟
يُظهر تاريخ التكنولوجيا أن الصناعات الجديدة يمكن أن تخلق وظائف جديدة، ورواتب أعلى، وخبرات متخصصة. لكنه يوضح أيضًا أن الفوائد لا تتوزع بالتساوي، وأن الأفضلية المرتبطة بالمهارات الجديدة قد تكون مؤقتة.
قد يخلق الذكاء الاصطناعي فرصًا جديدة للمحللين، والمتخصصين في الرعاية الصحية، والمهندسين، وخبراء السلامة، والمعلمين، والعاملين في المجالات الإبداعية. وفي الوقت نفسه، قد يجعل بعض المهام الحالية أقل قيمة أو أسهل في الأتمتة.
الدرس الأساسي من الدراسة هو أن مستقبل الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ليس محددًا مسبقًا. فالوظائف الجديدة ستعتمد على طريقة تطبيق التقنية، والقطاعات التي تتلقى الاستثمار، وما إذا كان العاملون سيحصلون على فرص حقيقية لتطوير المهارات المطلوبة في المجالات الناشئة.
بالنسبة للشباب ذوي التعليم والمهارات العالية، قد يفتح الذكاء الاصطناعي أبوابًا لمهن قيمة لا توجد حتى الآن. أما بالنسبة لسوق العمل الأوسع، فسيكون التحدي هو ضمان ألا تقتصر فوائد التكنولوجيا الجديدة على الأشخاص الأكثر استعدادًا للاستفادة منها منذ البداية.