تستعد غوغل لإطلاق واحد من أكبر التغييرات في تاريخ محرك البحث الخاص بها، من خلال تحويل شريط البحث التقليدي إلى مساعد يعمل بالذكاء الاصطناعي وقادر على تنفيذ مهام نيابة عن المستخدمين. وكشفت الشركة عن مزايا جديدة قد تسمح للمستخدمين بطلب حجز المطاعم، ومتابعة الأخبار العاجلة، والتواصل مع الشركات، وتنظيم قوائم التسوق، وإدارة مهام يومية من خلال أوامر محادثة بسيطة.
وتُعد هذه الخطوة تحولاً كبيراً في تجربة بحث غوغل، التي اعتمدت لسنوات طويلة على كتابة الأسئلة والضغط على الروابط. أما الآن، فتريد الشركة أن يصبح البحث أقرب إلى محادثة مستمرة، وليس مجرد سؤال وجواب.
غوغل توسع استخدام الذكاء الاصطناعي بعد منافسة شات جي بي تي
تحركت غوغل بسرعة خلال السنوات الأخيرة لتوسيع منتجاتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بعد المنافسة القوية من شات جي بي تي ومنصات الذكاء الاصطناعي الأخرى. وقالت الشركة إن تطبيق جيميني أصبح يضم نحو 900 مليون مستخدم نشط شهرياً، أي ما يقارب ضعف عدد المستخدمين مقارنة بالعام الماضي. كما شهدت ميزة البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي، المعروفة باسم وضع الذكاء الاصطناعي، نمواً كبيراً، إذ تقول غوغل إنها تصل الآن إلى نحو مليار مستخدم شهرياً حول العالم.
وخلال مؤتمر غوغل السنوي للمطورين قرب مقرها في ماونتن فيو بولاية كاليفورنيا، كشف الرئيس التنفيذي سوندار بيتشاي عن المرحلة التالية من استراتيجية الشركة في الذكاء الاصطناعي.

إطلاق جيميني سبارك للمشتركين في الولايات المتحدة
من أبرز الإعلانات الجديدة كان الكشف عن جيميني سبارك، وهو مساعد شخصي ذكي سيصبح متاحاً ابتداءً من الأسبوع المقبل للمشتركين في الفئة الأعلى داخل الولايات المتحدة. ويهدف جيميني سبارك إلى تجاوز فكرة الإجابة عن الأسئلة فقط. فالمساعد الجديد سيكون قادراً على مساعدة المستخدمين في تنفيذ إجراءات، وإدارة الطلبات، والتعامل مع مهام أكثر تعقيداً داخل منظومة خدمات غوغل.
كما سيحصل بحث غوغل في الولايات المتحدة هذا الصيف على تحديث كبير بالذكاء الاصطناعي. وقالت الشركة إن محرك البحث سيضم مساعدين دائمين يمكنهم متابعة الأخبار، والمساعدة في حجز الأنشطة، وإدارة مهام التسوق.
وتخطط غوغل أيضاً لتوسيع مربع البحث نفسه، حتى يستوعب أسئلة وأوامر أطول وأكثر تعقيداً، تشبه الطريقة التي يتعامل بها المستخدمون مع روبوتات المحادثة. وقال بيتشاي إن الهدف هو جعل البحث أقل ارتباطاً بأسئلة منفصلة، وأكثر شبهاً بمحادثة متواصلة تمنح المستخدمين فهماً أعمق، مع ربطهم في الوقت نفسه بالمحتوى الواسع على الإنترنت.
صعود الذكاء الاصطناعي القادر على تنفيذ المهام
تأتي مزايا غوغل الجديدة في وقت يركز فيه قطاع التكنولوجيا بقوة على ما يُعرف باسم الذكاء الاصطناعي الوكيل، وهو نوع من الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتوليد الإجابات، بل يستطيع تنفيذ إجراءات فعلية. واكتسب هذا الاتجاه زخماً كبيراً بعد أن أطلق المطور النمساوي بيتر شتاينبرغر منصة أوبن كلو في أواخر عام 2025، وهي منصة تسمح للذكاء الاصطناعي بحجز الرحلات، وإدارة الرسائل الإلكترونية، وحتى بناء التطبيقات من خلال أوامر نصية.
وفي وقت لاحق، وظفت أوبن إيه آي مطور أوبن كلو، بينما بدأت كبرى شركات التكنولوجيا في تسريع تطوير مساعدين قادرين على تنفيذ المهام للمستخدمين العاديين. لكن انتشار هذا النوع من الذكاء الاصطناعي يثير أيضاً مخاوف تتعلق بالأمان، والخصوصية، وموثوقية النتائج، إضافة إلى تكاليف الحوسبة العالية المطلوبة لتشغيل هذه الأدوات على نطاق واسع.

غوغل تطلق جيميني 3.5 فلاش
ولتعزيز منافستها مع شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك، أعلنت غوغل أيضاً عن أحدث نموذج ذكاء اصطناعي لديها، وهو جيميني 3.5 فلاش. وبحسب غوغل، يعمل هذا النموذج بسرعة تزيد أربع مرات على بعض النماذج المنافسة البارزة، بما في ذلك كلود أوبوس من أنثروبيك وشات جي بي تي 5.5 من أوبن إيه آي، مع تقديم مستوى أداء مشابه.
وأصبح جيميني 3.5 فلاش الآن النموذج الافتراضي داخل تطبيق جيميني، وميزة وضع الذكاء الاصطناعي في البحث، وخدمات غوغل الأخرى. ومن المتوقع إطلاق نسخة أقوى باسم جيميني 3.5 برو الشهر المقبل.
تعاون بين غوغل وأوبن إيه آي للحد من المحتوى المزيف
ورغم المنافسة الشديدة بين غوغل وأوبن إيه آي في مجال الذكاء الاصطناعي، أعلنت غوغل عن تعاون مع أوبن إيه آي في جانب واحد، وهو مكافحة المحتوى المزيف أو المعدل رقمياً. واعتمدت أوبن إيه آي تقنية سينث آي دي من غوغل، وهي أداة تضع علامة غير مرئية على الصور التي يتم إنشاؤها بالذكاء الاصطناعي. وتهدف هذه التقنية إلى المساعدة في التعرف على المحتوى الاصطناعي والحد من انتشار الصور المضللة.
مخاوف الناشرين من تراجع النقرات
قد تؤدي مزايا غوغل الجديدة إلى زيادة القلق لدى المواقع الإخبارية والناشرين الرقميين. فكلما أجابت غوغل عن المزيد من الأسئلة داخل أدواتها الخاصة، أصبح المستخدمون أقل حاجة إلى الضغط على روابط المواقع الخارجية. وهذا قد يؤدي إلى انخفاض الزيارات والإيرادات الإعلانية للناشرين الذين يعتمدون على زيارات محرك البحث.
وبحسب دعوى قضائية رفعتها بنسكي ميديا، وهي الشركة الناشرة لمجلتي ذا هوليوود ريبورتر ورولينغ ستون، فإن عمليات البحث على غوغل تنتهي من دون أي نقرة على موقع خارجي في 58% من الحالات. وفي أوروبا، تقدمت مجموعة كبرى من الناشرين بشكوى إلى المفوضية الأوروبية، متهمة غوغل باستخدام المحتوى الإخباري لتغذية ملخصات الذكاء الاصطناعي من دون دفع مقابل مناسب.
وتبقى فرنسا واحدة من أبرز ساحات هذا الخلاف، إذ لا تزال ميزة وضع الذكاء الاصطناعي غير متاحة هناك، وسط توتر مستمر بين غوغل والناشرين الفرنسيين.
غوغل تواجه ضغوطاً قانونية مستمرة
تأتي توسعات غوغل في الذكاء الاصطناعي في وقت تواجه فيه الشركة ضغوطاً قانونية كبيرة. فقد قضت محكمة أميركية في عام 2024 بأن غوغل احتكرت سوق البحث عبر الإنترنت بشكل غير قانوني. ولا تزال الشركة قد تواجه إجراءات كبيرة قد تشمل تغييرات في بعض أجزاء أعمالها.
كما استأنفت وزارة العدل الأميركية في فبراير حكماً سابقاً لم يصل إلى حد إجبار غوغل على بيع متصفح كروم. ومن غير المتوقع عقد جلسة الاستماع قبل نهاية عام 2026 على أقرب تقدير، وقد يتم تأجيلها إلى عام 2027.
تحول كبير في مستقبل البحث
تكشف إعلانات غوغل الأخيرة مدى سرعة تغير تجربة البحث على الإنترنت. فبدلاً من تقديم روابط فقط، تريد غوغل أن يتحول البحث إلى مساعد رقمي يفهم السياق، ويتابع المحادثة، وينفذ المهام للمستخدمين.
بالنسبة للمستخدمين، قد يجعل هذا البحث أسرع وأكثر فائدة. أما بالنسبة للناشرين والشركات والجهات التنظيمية، فهو يفتح أسئلة أكبر حول الزيارات، وحقوق المحتوى، والمنافسة، وشكل الإنترنت في السنوات المقبلة.